ابن عجيبة
444
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : « شاهدا » : حال مقدرة ، كمررت برجل معه صقر صائدا به غدا . يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً على من بعث إليهم ، على تصديقهم وتكذيبهم ، أي : مقبولا قولك عند اللّه ، لهم وعليهم ، كما يقبل قول الشاهد العدل في الحكم ، وَمُبَشِّراً للمؤمنين بالنعيم المقيم ، وَنَذِيراً للكافرين بالعذاب الأليم ، وَداعِياً إِلَى اللَّهِ ؛ إلى الإقرار بربوبيته ، وتوحيده ، وما يجب الإيمان به ، من صفاته ، ووعده ، ووعيده ، بِإِذْنِهِ ؛ بأمره ، أو : بتيسيره . وقيّد به الدعوى إيذانا بأنه أمر صعب ، لا يتأتى إلا بمعونة من جناب قدسه ، وَسِراجاً مُنِيراً يستضاء به في ظلمة الجهالة ، وتقتبس من نوره أنوار الهداية ، قد جلى به اللّه ظلمات الشرك ، واهتدى به الضالون ، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير ، ويهتدى به . وقيل : المراد به القرآن ، فيكون التقدير : وذا سراج . ووصف بالإنارة ؛ لأن من السرج من لا يضئ جدا إذا قلّ سليطه ، - أي : زيته - ورقّت فتيلته . أو : شاهدا بوحدانيتنا ، ومبشرا برحمتنا ، ونذيرا بنقمتنا ، وداعيا إلى عبادتنا ، وسراجا تنير الطريق إلى حضرتنا . وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً ؛ ثوابا عظيما ، يربو على ثواب سائر الأمم . وفي الحديث : « مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمن استأجر عمالا إلى آخر اليوم ، فعملت اليهود إلى الظهر ، ثم عجزوا ، ثم عملت النصارى إلى العصر ، فعجزوا ، ثم عملتم إلى آخر النهار ، فاستحققتم أجر الفريقين ، فغضبت اليهود والنصارى ، وقالوا : نحن أكثر عملا ، وأقلّ أجرا ، فقال لهم اللّه تعالى : هل ظلمتكم من حقكم شيئا ؟ قالوا : لا ، قال : فذلك فضلى أوتيه من أشاء » « 1 » وفي رواية : « أنهم عملوا إلى الظهر ، أو العصر ، وقالوا : لا حاجة لنا بأجرك ، فبطل أجر الفريقين » . وهذا في حق من أدرك الإسلام منهم ولم يؤمن . والحديث في الصحيح . نقلته بالمعنى . قال البيضاوي : ولعله معطوف على محذوف ، أي : فراقب أمتك وبشّرهم . ه . وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ أي : دم على مخالفتهم ، وهو تهييج وتنفير عن حالهم ، وَدَعْ أَذاهُمْ أي : لا تلتفت إليه ، ولا تحتفل بشأنه . وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل ، أي : اجعل إيذائهم إياك في جانب ، وأنت في جانب ، ولا تبال بهم ، ولا تخف من إيذائهم . أو : إلى المفعول ، أي : دع إيذاءك إياهم مجازاة ومؤاخذة على كفرهم . ولذلك قيل : إنه منسوخ . وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فإنه يكفيكهم ، وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا ؛ موكولا عليه ،
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( الإجارة ، باب الإجارة إلى نصف النهار ، ح 2268 ) من حديث سيدنا عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنه .